ابن قيم الجوزية

113

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

والسمع والبصر والعزة والكبرياء والعظمة ونحوها ، فالحي والقيوم متضمنان لصفات الكمال كلها وهما القطبان لأفق سمائها فلا تتخلف عنهما صفة منها أصلا ولهذا ورد أنهما اسم اللّه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى ، وإذا دعي به أجاب . وإنما كان هذان الاسمان العظيمان متضمنين لسائر صفات الكمال لأن الحياة تعتبر شرطا للاتصاف بجميع الكمالات في الذات من العلم والقدرة ، والإرادة والسمع والبصر والكلام إلخ ، فإن غير الحي لا يتصف بهذه الصفات ، فمن كملت حياته كان أكمل في كل صفة تكون الحياة شرطا لها وأما القيوم فلما كان أحد معانيه أنه الكثير القيام بشؤون خلقه ، بحيث لا يغفل عنهم لحظة ، كان ذلك مستلزما لكمال أفعاله ودوامها . هو قابض هو باسط هو خافض * هو رافع بالعدل والإحسان وهو المعز لأهل طاعته وذا * عز حقيقي بلا بطلان وهو المذل لمن يشاء بذله الدّا * رين ذل شقاء وذل هوان هو مانع معط فهذا فضله * والمنع عين العدل للمنان يعطي برحمته ويمنع من يشا * ء بحكمة واللّه ذو سلطان الشرح : هذه الأسماء الكريمة من الأسماء المتقابلات التي لا يجوز أن يفرد أحدها عن قرينه ، ولا أن يثنى على اللّه عز وجل بواحد منها إلا مقرونا بمقابله ، فلا يجوز أن يفرد القابض عن الباسط ، ولا الخافض عن الرافع ، ولا المذل عن المعز ، ولا المانع عن المعطي إلخ ، لأن الكمال المطلق إنما يحصل بمجموع الوصفين ، فهو سبحانه القابض الباسط ، يقبض الأرواح عن الأشباح عند الممات ، ويبسط الأرواح في الأجساد عند الحياة ، ويقبض الصدقات من الأغنياء ويبسط الأرزاق للضعفاء ، ويبسط الرزق لمن يشاء حتى لا تبقى فاقة ، ويقبضه عمن يشاء حتى لا تبقى طاقة ، ويقبض القلوب فيضيقها حتى تصير حرجا كأنما تصعد في السماء ، ويبسطها بما يفيض عليها من معاني بره ولطفه وجماله ، قال تعالى : فَمَنْ